الشيخ السبحاني
372
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
كذبا ، وعلمه جهلا وذلك محال . فثبت أنّ السعيد لا ينقلب شقيا وأنّ الشقي لا ينقلب سعيدا » . ثم استشهد لكلامه بما روي عن عمر أنّه قال : « لما نزل قوله تعالى فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ قلت : يا رسول اللّه فعلى ما ذا نعمل ؟ على شيء قد فرغ منه ، أم على شيء لم يفرغ منه ، فقال : على شيء قد فرغ منه يا عمر ، وجفّت به الأقلام ، وجرت به الأقدار ، ولكن كل ميسّر لما خلق له » . قال : وقالت المعتزلة : نقل عن الحسن أنّه قال : فمنهم شقي بعمله وسعيد بعمله . قلنا الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات وأيضا فلا نزاع أنّه إنما شقي بعمله وإنما سعد بعمله . ولكن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء اللّه وقدره ، كان الدليل الذي ذكرناه باقيا » « 1 » . فقد استفاد الرازي من الآية أنّ السعادة والشقاء من الأمور الذاتية للموصوف بهما حتى قال إنّ السعيد لا ينقلب شقيا . وأمّا الثاني : فقد روى المحدثون عن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) أنّه قال : « الشّقيّ من شقي في بطن أمّه . والسعيد من سعد في بطن أمّه » « 2 » . تحليل الشقاوة والسعادة في الآية والحديث إنّ البحث في هذا المجال يتم في ضمن جهات : الجهة الأولى - في تقسيم الناس إلى شقي وسعيد . إنّ الناظر في الآيات الماضية لا يدرك سوى أنّ هناك جماعة متصفون بالسعادة وأخرى بالشقاوة ، وأمّا كونهما ذاتيين لموصوفيهما أو ثابتين بإرادة أزلية لا يتخلف مرادها عنها ، أو يثبتان لهما عن اكتساب وعمل مع كون الموضوعين خاليين عنهما بالنظر إلى ذاتيهما ، فلا نظر في الآيات إلى شيء
--> ( 1 ) تفسير « مفاتيح الغيب » للرازي ، ج 5 ، ص 93 ، الطبعة الأولى 1308 ه . ( 2 ) التوحيد باب السعادة والشقاوة ، الحديث 3 ، ص 356 .